U3F1ZWV6ZTU0ODUyMjA4Nzk5Nzc2X0ZyZWUzNDYwNTUxNjQyODc1OA==

قصة قصيرة اريج بقلم شهد غالى

 « أَرِيــج. » 



" ظَـننتُها النهايـة، وكانت أَمـثَل بِـدايـةٍ على الإطلاق! " 

              ••

« كَـاحِلةُ العينينِ تغدو، ونَبـضُ الفُؤادِ عَـسيـرُ! » 

              ••

 تَـمنيتُ يَـومًـا أن أُعامَـلَ ڪَبشريـةٍ مِـثلَهُم!  

             ••

 ومـا ذَنبِـي! أخبـروني حقًـا، مـا هو ذاكَ الذنبُ الذي اِرتكبـتهُ حتى أُعاقَـبَ هكذا؟ 

              ••

 الآنَ فقط، علِـمتُ لِـمَ الڪثيرُ ينتحـر!  

             ••

 وما فائدةُ عَـيْشِ تلكَ الحياةِ الفانِيـة وأفئدتنـا من الداخلِ تتمزَّقُ بِـوحشيةٍ دونَ رحمـةٍ أو شفقـة؟ 

              ••

 وداعًـا، يَـا مَـن ظفرتُ بِـكُرهِكُم طيلةَ حياتي،

سَـأفتقدُ تنمركم، ولكن حانَ الوقتُ لِـأرتاحُ قليلاً!  

                ••

 إنها النهايـة، قسمًـا أراها بِـأُمِّ عيني!  

وداعًــــــا، سَـأشتاقُ إليكم! "

               ••

« رَسائِـلٌ مُزِّقت منذُ أمـد، ولكنها لازات بالفُـؤادِ بَـاقيـة! » 

               ••

قبل ثلاثِ سنـوات! 

الزمـان: ٢٠٠٦/٧/١٣

المكان: المستشفى! 

           ♡♡♡

" لَيلـةٌ ڪأنها الهلاكُ مُجسِّـدًا كَيانِـها أجمَـع، السماءُ تَـنزِفُ عَـبَـراتِ الحسـرةِ دونَ توقف، الـرعدُ يَـنسِجُ صـراخَ الطبـولِ المُـمَزَّقَـة منذُ أمـد، البَـرقُ يَـخترقُ كَبَـد السماءِ بِـوحشيـةٍ دونَ رحمـةٍ أو شفقـة، الفَزَعُ حليفُ الموقف! "

- هيـا، أَحضـروا حامِـلـةً - حاملةُ نقلِ المرضى في الحالات الطارئـة - بسرعة سَـتضيعُ الفتاةُ مِـنَّـا، هيـاااا أسرعـوااا 

- تمهَّـل سيدي، سَـنُحضرها حالًا! 

♡ بعد ساعتين! 

« ڪالملاكِ النَّـائـم، تستلقي على ظهرِ الفِـراش، تُـصارعُ الألم!

فتاةً عِشرينِيّـة في عِقدِها الثاني، ممشوقـةِ القوام لا نقصَ فيها ولا زيادة، قدّها كأنهُ غصنُ ألبان، ينسدلُ شعرها الكِستنائيّ القصيـر على بدايـةِ مِنكبيْها مع قليلٍ من الرياحِ الهوجاء المتسللةِ من فتحاتِ نافذةِ المَشفى مُبَـعثِـرةً بعضَ خصلاتـه البنيـة على وِجنتيها فَـ كانت لوحـةً ربَّـانيةً فاتنـةَ الجمال، إِنْ رأتها إحدى معارض التحفِ الفنيـة أسـرعت بِـ اِقتنائِـها! 

- انفتحَ بابُ الغرفةِ أخيـرًا؛ لِــيلِـجَ أحدهم مُحدثًـا قلقًـا لِـتلكَ الملاكِ النائِـم•

- انصاع الجِفنُ المُـتمردُ أخيـرًا، وتخلَّـى عن كبـريائِـه، لِــتُظهرَ مُـقلتينِ آسرتينِ حدَّ الفِـتنـة.

ما كل هذا الإبداعِ والجمالِ الآسِـر؟ حقًـا، لم أرَ بِـحياتي جمالًا مِثلما أرى الآن!  

« غَـريقٌ أنـا بين لُجَّـيْن: أحدهما زرقـةُ أمواجُ بحـرٍ مُتلاطِـمة، والآخـرُ كوبُ قهوةٍ سادة، وكلاهما نبيـذٌ يُـسكِرُ كلَّ مَن تجرّأَ على وُلوجهما. »

- ابتدئَ الحديث بِـمُزاحٍ ڪعادته مع كل مرضاه قائلًا: وأخيــرًا، اِستيقظتِ الملاكُ النائمـة! 

- بِـ وجهٍ خالٍ من التعابيـر أردفت: أين أنا؟ 

- في الجنـة سيدتي، ماذا تريدين؟ 

- كَفاكَ مُـزاحًـا يا هذا، وأخبرني أين أنا؟ 

- حسنًـا، لا تغضبي! 

ولكن حتى نتفاوضَ دونَ خسائـر، أزيحي ذاكَ السلاحِ الفاتنِ جانبًـا! 

- أَ مجنونٌ أنت؟ عن أي سلاحٍ تتحدث؟ 

- عيـنيـكِ! 

- انتفضت جالسةً على الفراشِ تبحثُ بلهفةٍ عن ضالتها! 

- ما بكِ؟ عن ماذا تبحثين؟ 

- العدسات! 

- أَ هذا ما تبحثين عنه؟ ثم أشار لعلبةٍ صغيرة بيده. 

- نعم، أين وجدته؟ 

- لا يهم أين وجدته، ولكن أريدُ تفسيرًا منطقيًـا لِــذلك؟ 

- تفسيرًا لِــ ماذا؟ 

- لِــ ارتدائكِ العدسات ونظركِ جيد لا يحتاجُ لذلك، هذا أولًا! 

ثم ستخبرينني سبب مُحاولةِ انتحارك؟ هيـا، أنا أسمعك! 

- أَلن تتنمر عليّ؟ 

- لن أفعلها ما حييت! 

- حسنًـا، سَـأبدأ. 

أنـا أريـج، فتاةً عِشرينِيّـة، يتيمـةُ الأبويـن، أسكن بِـالملجأ مع بقيةِ أقراني اليتامى، لا أعرف مَن هي عائلتي، أو ما هو شعور الأمان والدفئ الأُسريّ، ومُصابةٌ بِـ طفرةٍ جينيّـةٍ نادرة كانت سببًـا في وصولي المشفى إثرَ محاولةِ انتحارٍ فاشلـة! 

- وما هي هذه الطفرة؟ 

- الهيتروكروميـا! 

- وماذا تعني؟ 

- هي حالة طبية نادرة تصيب قزحية العين مؤثرة على لونها، والقزحية هي الجزء الملون المرئي من العيون والذي يحدد لون العيون المميز لكل شخص، وتكتسب القزحية لونها المميز تحت تأثير صبغة الميلانين التي تتواجد في هذا الجزء من العين، فَـ تظهر الهيتروكروميـا على هيئة اختلافات في لون قزحية العيون للشخص الواحد، فإما أن يكون لون قزحية أحد العينين مختلفًا عن لون قزحية العين الأخرى، أو قد تكون قزحية العين الواحدة ملونة بلونين مختلفين أو أكثر من لونين في ذات الوقت، وكما ترى أنا مُصابة بِـالإفتراض الثاني، فَـ لديّ لونين في قزحية واحدة، أحدهما أزرق والآخـر بُـنيّ! 

- رائـعٌ للغايـة! أذهلتني بهذا الكَم من المعلومات القيمـة! 

- أشكرك. 

- ولكن ما سبب لون القزحية بِـمُحاولةِ انتحارك؟ 

- التنمـر! لم أسلم من التنمر من كافةِ أقراني بالملجأ أو حتى بالمدرسة أو الشارع! 

- لذلكَ لجأتِ للعدسة مع أنكِ على عِلم أنها ستؤثـرُ عليكِ وعلى نظركِ بالسلب! 

- ماذا أفعل؟ لم يكن لديّ حلًا غيره! 

- ولكن ليس هذا السبب كافيًـا للإنتحار خاصةً بعد إيجادِ حلٍ للمشكلة! 

- طأطأت رأسها ثم قالت بألم: جميعُ أقراني الفتيات من عُمري تزوجن ولم يبقَ سِوايَ بالملجأ أسمعُ كلماتِ التذمر، والتنمر، وعدم القدرة على تحملي فقد وصلتُ سنّ الزواج ولم يتقدم إليّ أحدهم بسبب تلكَ الطفرةِ الجينيةِ اللعينة، مُعتقدينَ أنها مرضٌ وراثيّ وستلحقُ بِـأبنائهم، كما سَـتُلحِق بهم العديدَ من الأمراض التي نهايتها الموت لا محاله! 

- وهل هذا صحيح؟ 

- ليس صحيحًـا البتـة، إنها طفرة وراثيـة ليس إلّا، ولا تسبب أي مرض! 

- وما قصةُ هذه المذكرة؟ 

- إنها رَفيقتي الوحيدة بعد خالقي، أُحدِّثُها عن كل ما يعتريني من مشاعـر! 

- الآن فهمتُ قصـةَ تلكَ الكتباتِ التشاؤميـة! 

- ليست الكتاباتُ فقط، بل حياتي كلها! فقدتُ أثَـرَ بريقِ الأملِ في صحراءِ التشاؤم! 

- مُـخطِـئـةٌ أريـج! فَـ الحياةُ أجملَ بِـ كثيـر، وتستحق أن نستمتع بِـ كل لحظةٍ بها، فلا تعلمين لعلّ الساعةُ قريبًـا!

- عن أي جمالٍ تتحدث وأنا لا أعلم كيف أبتسـم!

- أعلمُ أنها مليئـةٌ بالضغوطاتِ النفسية والجسدية، والمشاكل اللانهائيـة، ولكن يبقى الأمـلُ موجودًا دائماً، ويقينٌ قويّ أن لِــكلِ مشكلةٍ نمـرُّ بها بعضًـا من الوقت فقط وليس الوقت أجمع، وسُرعان ما تنتهي ويعود الأملُ من جديد! 

- لِـ تقعَ أسيـرًا لِــ مشكلةٍ أسوء، أليس كذلك؟ 

- أعترف أن صعوبات الحياة لا تنتهي ولكن هناك دائمًا مُتسعٌ من الوقت كي نبتسم! 

- وماذا عن السعادة أَلن تزورَنا أو تمرّ علينا عمّـا قريـب؟ 

- بل مرت عليكِ للتـو!

- ماذا تقصد؟

- ماذا إن أخبرتُـكِ أنني وقعتُ أسيـرًا لِـهاتيـن المُقلتـيـنِ الآسرتيـن ولن أنجو منهما إلَّا بِـعَقدِ قـرانِ راسِـلٍ بِـ أريجِـه! وأعدُكِ أنني سَـأقفُ بجانبكِ دائمًا، وسَأكونُ السندَ والكتفَ التي تميلينَ عليه دون أن يتكئ، وسَـ أرسمُ تلكَ البسمـةُ التائـهة وأجعلها أبديـةً ما حييت، وسَـأَجعلُ هذه الطفـرة سبب تميزكِ بين الخلقِ أجمـع؛ لأنكِ فعلًا كذلك! "

               ••

♡ ٢٠٠٩/٧/١٣

« سعادةٌ غامِـرة تكتسحُ منـزلَ آلَ راسِـلٍ وأريجِـه، ومَـولودٌ جديدٌ بِـ الهيتروكروميـا. »! 

               ••

« تذكَّـر دائمًا، هناكَ مُتسَعٌ من الوقت كي تبتسم، وتفـرحَ وتمرح، وتُلون لوحتنا بِـ أزهى الألوانِ وأجملها، وتمحو سيلَ التشاؤم من قوامِيـس العالمِ أجمـع! » 

               ••

♡ تمت بحمد الله ❤

♡ ڪ: شهد غالي! 

              ••

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

اذا اعجبتك جريدتنا الرجاء وضع تعليق يسعدنا على تقديم المزيد

الاسمبريد إلكترونيرسالة