U3F1ZWV6ZTU0ODUyMjA4Nzk5Nzc2X0ZyZWUzNDYwNTUxNjQyODc1OA==

الكاتب/ه " محمد ابراهيم سالم محمد عفيفي " في حوار صحفي لجريدة حِبر الحياة

 











الكتابة أسلوب راقٍ يُهذب بها العقل ويزداد علمًا وإدراكًا 

الكتابة بها تعلو مكانة الفرد بين مجتمع سادت فيه المفاسد ودركت فيه الفتن في دروك ظلام الجهل، الكتابة تهذب النفس من اللغو ومن الهوا. 

الكاتب/ه " محمد ابراهيم سالم محمد عفيفي  في حوار صحفي لجريدة حِبر الحياة

حيث تُعرَض موهبته/ا إلي النور ويلمع بريقه في عنان السماء. 

محتاج نبذه تعرفيه عن حضرتك. 

الدكتور محمد إبراهيم سالم محمد عفيفي، علمٌ بارز وشعلة مضيئة في ميادين العلم والفكر والأدب، وُلِد عام 1982م في ربوع اليمن السعيد، بمحافظة الحديدة، مديرية الجراحي، عزلة المعاصلة، قرية السيد عيسى. نشأ وترعرع في كنف قيمٍ سامية، تشرّبها من بيئةٍ محفوفة بالعلم والإيمان، فكان القرآن وعلومه حجر الزاوية في مسيرته العلمية الرفيعة.

حصل على درجة البكالوريوس في القرآن وعلومه من كلية التربية زبيد بجامعة الحديدة عام 2007م، ومنها انطلقت رحلته الأكاديمية نحو التميز. استكمل دراسته العليا لينال درجة الماجستير من جامعة عدن في العلوم التربوية – مناهج وطرق تدريس – عام 2012م، حيث حاز تقدير "جيد جدًا"، ثم اختتم هذه المسيرة العلمية الظافرة بحصوله على درجة الدكتوراه من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في أم درمان بجمهورية السودان عام 2020م، محققًا تقدير "ممتاز"، عبر أطروحته التي ألقت الضوء على استراتيجيات التعليم الحديثة.

وفي ميدان التعليم، شغل منصب محاضر بكلية التربية زبيد بين عامي 2013م و2016م، حيث كان رمزًا للعطاء الفكري ومصدر إلهام للطلاب، بسطوة علمه ورهافة روحه.

أما في عالم التأليف والإبداع، فقد نسج الدكتور عفيفي إرثًا ثقافيًا غنيًا، حيث تتألق مؤلفاته كدررٍ نفيسة تجمع بين بلاغة التعبير وعمق الفكرة، من أبرزها:

إضاءات على الطريق: سفرٌ يضيء دروب التائهين، يحفل بالحكمة وينبض بالمعاني العميقة.

خواطر عفيفية بين الرسائل والإشارات: توليفة أدبية ساحرة تحمل بين طياتها عبق التأملات وفنون البيان.

مدى إتقان معلمي ومعلمات مادة التربية الإسلامية لأحكام الفقه للصف الثاني الثانوي في الجمهورية اليمنية: دراسة ماجستير تمزج بين التحليل العلمي والتطبيق العملي.

فاعلية استخدام استراتيجية الخرائط المفاهيمية في تدريس أحكام التجويد لطلبة المرحلة الثانوية العامة في الجمهورية اليمنية: أطروحة دكتوراه رائدة في أساليب التدريس.

شخصية قائد: قراءة متأنية في أبعاد القيادة ومقوماتها، تكشف عن فكر قيادي عميق.

ديوان شعري (الحرف والروح): تحليقٌ شعري في سماء الإبداع، حيث يمتزج الحرف بالروح في سيمفونية وجدانية آسرة.

إن الدكتور محمد عفيفي، بعلمه الرفيع وقلمه البديع، قد رسم لنفسه مكانةً مرموقة بين أعلام الفكر والأدب، ليكون قدوةً تُحتذى وشعلةً تُستنار بها العقول.

كيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟ وما هو الدافع الرئيسي الذي جعلك تختار أن تكون كاتباً؟

في بيتي المتواضع بمديرية الجراحي، حيث كان الهدوء يلف الأرجاء، بدأت رحلتي مع الكتابة، كأنما كنت أكتشف نفسي بين السطور. هناك، في حضن الطبيعة وسكينة الليل، ولدت الحروف الأولى التي حملت أعباء فكري وشوق روحي إلى التعبير. في تلك اللحظات البسيطة، أدركت أن الكتابة ليست خيارًا، بل نداءٌ يسكن أعماقي، يدعوني لأن أنقل للعالم ما يختلج في صدري من مشاعر وأفكار.

وعلى ضفاف النيل في السودان، حيث تهمس المياه بحكايات الأزلية، كان للدافع صوته العالي، فأمام ذلك النهر العظيم، الذي لا ينفك يجري دون توقف، شعرت برغبة ملحّة في أن أُدوّن ما يعتمل في خاطري. هناك، تعلمت من النيل درس الديمومة، أن الحرف كما النهر، إن تدفق بصدق، فإنه يصل إلى القلوب مهما طال المسير.

وفي عدن الجمال، تلك المدينة التي تجمع بين ألوان الطبيعة وجمال الإنسان، وجدت في نسائم بحرها وأضوائها إلهامًا متجددًا. كانت الكتابة فيها مرآة تعكس ولعي بالجمال ورغبتي في تخليده، فكل لحظة هناك كانت تشعل شرارة الإبداع، وكل منظر يترجم نفسه إلى كلمات تنبض بالحياة.

أما في صنعاء، مدينة الأصالة والتاريخ، فقد كان عبق التراث والتاريخ المحفور في كل زاوية منها دافعًا عظيمًا للغوص في أعماق الحرف. شعرت فيها أنني أنتمي إلى سلالة الكُتّاب الذين يصنعون من الماضي جسورًا نحو المستقبل. كانت الكتابة في صنعاء أشبه بنحتٍ على صخر الحضارة، تضج بالعمق والأصالة.

الدافع للكتابة، إذن، كان رغبة عارمة في التعبير، وشعورًا عميقًا بالمسؤولية تجاه الكلمة. لم تكن الكتابة مجرد وسيلة للبَوح، بل كانت رسالة أؤمن بأنها قادرة على تغيير القلوب، وتهذيب الأرواح، وإحياء القيم. هي فعل خلقٍ أسمى، أُلبس فيه المعاني ثوبًا من البلاغة، وأبعث فيه الحياة.

كل مكان وطأته قدماي أضاف إلى رحلتي بُعدًا جديدًا، لكن الدافع ظل واحدًا؛ حب الكلمة، والرغبة في أن أكون شاهدًا على الحياة بالحرف، ومشاركًا في بناء فكرٍ أسمى، يُخلّد في وجدان الأجيال.

هل كان هناك كتاب أو كاتب معين أثر فيك ودفعك إلى الدخول في عالم الكتابة؟

إذا كان لي أن أختار كاتبًا واحدًا ترك بصمةً لا تُمحى في وجداني، وأوقد شرارة الإلهام في نفسي، فهو بلا شك الشيخ الأديب علي الطنطاوي. هذا الرجل الذي كان قلمه مرآةً لنفسه، يجمع بين الحكمة والبساطة، وبين عمق الفكر وجمال التعبير. وجدت في كتاباته ما يفوق حدود الكلمة؛ وجدت فيها روحًا حية تخاطب العقل والقلب معًا، تنساب بين السطور كجدولٍ رقراق يروي ظمأ الروح.

أما كتبه التي أثرت في تكويني الأدبي والفكري، فكانت عديدة، ولكن على رأسها:

"صور وخواطر": هذا الكتاب كان أول نافذة فتحت لي عالم الطنطاوي، حيث أدهشني كيف يمكن للحرف أن يكون مرآةً صافية تعكس جمال الحياة، وهمومها، وأفراحها بأسلوبٍ أدبي أخّاذ.

"مع الناس": هنا تعلّمت أن الكاتب الحق هو من يعيش قضايا الناس، يحس بآلامهم ويشاركهم أحلامهم، ثم يصوغ ذلك في كلمات تُلامس شغاف القلوب.

"فصول إسلامية": هذا الكتاب فتح أمامي آفاقًا جديدة في فهم الإسلام برؤيةٍ مشرقة تتجاوز حدود الفقه الجاف، إلى روحانية عميقة تربط الدين بالحياة اليومية.

"رجال من التاريخ": فيه علّمني الطنطاوي أن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو حياةٌ تُروى بحب، وتُكتب بوعي، تُحيي النفوس وتُلهم الأجيال.

"أحاديث في الدين والثقافة": كان لهذا الكتاب أثرٌ بالغ في ترسيخ إيماني بقوة الكلمة، وعمقها، ودورها في بناء الفكر الإسلامي المعاصر.

علي الطنطاوي لم يكن مجرد كاتبٍ أقرأ له، بل كان معلمًا من نوع خاص، يرشدني دون أن يراني، ويوجّه قلمي دون أن يدري. تأثرت بأسلوبه الذي يمزج بين السلاسة والبلاغة، وبين الواقعية والخيال، وبين الفكرة العميقة والطرح البسيط. في كل سطرٍ قرأته له، كنت أشعر أن الكتابة ليست مجرد كلمات تُخطّ، بل حياة تُبثّ على الورق.

لقد جعلني علي الطنطاوي أؤمن أن الكاتب الحقيقي هو الذي يحمل رسالة سامية، ويسخّر قلمه لخدمة القيم النبيلة، ويصوغ المعاني بحبٍ وصدقٍ، ليبقى أثره خالدًا في القلوب والعقول.

من القامات التي أثرت فيَّ وأضاءت دربي بعلمها وفكرها، وكانت لها بصمات بارزة في مسيرتي الأدبية والفكرية، أربعة شخصيات بارزة كان لهم أثر عميق في توجيه كتاباتي وتوسيع آفاق تفكيري:

الدكتور خالد بريه

الأديب الروائي والمفكر الذي كان له دور كبير في إثراء رؤيتي الأدبية. تأثرت بأسلوبه السردي العميق الذي يجمع بين الإبداع الفكري والتعبير الأدبي الرفيع. من خلال مؤلفاته، تعلمت كيف أترجم الأفكار العميقة إلى نصوص تشد القارئ، وتجعله يبحر في عوالم مختلفة من التأملات والفلسفات.

الدكتور أنور بن قاسم الخضري

المفكر والسياسي الذي ألهمني بكلماته الجريئة والأفكار الثاقبة. كان له الفضل في فتح آفاق جديدة لي لفهم الحياة بشكل أوسع، وكيفية معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية بأسلوب علمي وأدبي متوازن. تأثرت بنهجه في تقديم الأفكار بوضوح وحكمة.

الشيخ حجاجي العرياني

التربوي الذي ألهمني في كيفية استخدام الكتابة كأداة تربوية فعّالة. تعلمت منه كيف يمكن للكلمة أن تُؤثر في النفوس وتُحسن السلوك، وكيف يمكن للأدب أن يكون له دور كبير في بناء شخصية الأجيال وتنشئتها على قيم وأخلاقيات سامية.

الدكتور أبو غالب عبدالله الحميري

هذا المفكر والعالم الذي جمع بين العمق الفكري والبحث العلمي، أثر فيّ كثيرًا من خلال أسلوبه الأكاديمي الذي لا يغفل الجوانب الأدبية والإنسانية في معالجة القضايا. تعلمت منه كيف أُحسن صياغة الأفكار، وكيف أستطيع أن أكتب بتوازن بين العلم والإبداع.

هؤلاء الأعلام، من خلال تأثيرهم العميق، كانوا دائمًا مصدر إلهام لي في مسيرتي الكتابية، وكان لهم الفضل في تشكيل أفكاري وتوجيه قلمي نحو آفاق أوسع وأعمق.

البروفيسور الدكتور منصور العمراني، ذلك العلم اللامع، الذي أضاء سماء المعرفة وسلط ضوءه على أسرار القرآن الكريم، فكان له في حياتي أثر بالغ، لا تُجارى قيمته. فهو مثل النجم الذي يهدي السائرين في دروب العلم، يبسط أمامهم آيات القرآن الكريم كأسرارٍ محكمة، ويُرينا كيف تتناغم مع اكتشافات العلم الحديث، كأنهما نغمةٌ واحدة تصدح في فضاء الكون.

في مجال الإعجاز العلمي، كان هو الجسر الذي يربط بين نصوص الوحي وبين دلالات العلم، ليجعلنا نرى كيف أن كل آية في القرآن الكريم تحمل في طياتها لؤلؤة من المعنى الذي ينسجم مع حقائق الكون. كأنه بذلك يزرع في نفوسنا شعورًا عميقًا بأن القرآن ليس مجرد كتاب قديم، بل هو بمثابة خريطة كونية، تفتح أمامنا الأفق لفهم عميق للوجود.

ما هي الموضوعات التي تجد نفسك مشدوداً للكتابة عنها؟ وهل هناك قضايا معينة تحب أن تتناولها في أعمالك؟

منذ أن بدأت أكتب، كانت القضايا التربوية والدينية هي النور الذي يهتدي به قلمي في دروب الإبداع، تلك القضايا التي تمثل أساس بناء المجتمع وتشكيل مستقبل الأجيال. لقد تعلّمت أن الكلمة يمكن أن تكون نبراسًا يضيء العقول ويهدي النفوس، وأن الكتابة ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي تجسيد لقيم إنسانية رفيعة ومبادئ تربوية سامية.

التربية والتعليم، هما ركيزتا بناء الجيل، فهما كالماء والهواء للإنسان، لا حياة لهما دونهما. إنني أجد نفسي مشدودًا دائمًا لتناول قضايا بناء جيل متسلح بالعلم، جيل يُحسن فهم ذاته ويعِي دوره في هذه الحياة. وأؤمن أن العلم ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو رَحلة في أعماق الفكر والروح، تتجلى فيها معاني الحقيقة والجمال. إن المربي الحقيقي هو الذي يزرع في قلب الطالب حب المعرفة، ويشعل في عقله شعلة البحث والاستفهام، فيصير العلم بالنسبة له ضوءًا يهديه في الظلمات.

أما الأخلاق والقيم الإنسانية، فهي السوسنة التي تزهر في تربة التربية السليمة. إنها الجسر الذي يربط بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان والكون الذي يعيش فيه. أجد في الكتابة عن هذه القيم تَجَسيدًا لروح الإنسانية وأبعادها النبيلة، فهي ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي أفعالٌ تتحقق على الأرض، وطرائق للتعامل مع الآخرين بحبٍ ورحمةٍ وصبر. إن الكتابة عن الأخلاق ليست مجرد دعوة للكمال الظاهري، بل هي استدعاء للمثل العليا التي تُنير لنا الطريق نحو مجتمعات مترابطة، تسودها المحبة والسلام.

ومن بين تلك القضايا التي أتمسَّك بها وأحلم بتناولها في أعمالي، تلك التي تعالج التربية والتعليم كوسيلة لبناء جيل متسلح بالعلم والمعرفة، جيل يملك الأدوات الكافية لفهم تحديات العصر ومواجهة مشكلاته. الكتابة عن هذا الموضوع هي دعوة لإيقاظ العقول وتوجيه البوصلة نحو مناهج تعليمية تُحفز الإبداع وتُنمّي الفكر النقدي، وتُعلم الأجيال أن العلم هو سلاحهم الأقوى في مواجهة تحديات المستقبل.

إنني أرى أن الكتابة عن الأخلاق والقيم الإنسانية هي الواجب الذي لا بد منه، ففي زمننا هذا، حيث تتلاطم الأمواج بين المادية والأنانية، يصبح الحديث عن القيم الإنسانية أشد ضرورة. إن الكلمة الطيبة هي حجر الزاوية في بناء مجتمع يُحسن فيه الناس التواصل والتعاون، ويسعى كل فرد فيه لخدمة الآخر وتوجيهه نحو الخير.

إن هذه المواضيع هي التي تحفزني على العطاء، وتجعلني أضع قلمي في خدمة فكرٍ عميق، وأسلوبٍ أدبي راقٍ، يدعو إلى التغيير والارتقاء بالمجتمعات، ويسعى جاهدًا لغرس القيم النبيلة في النفوس.

هل تعتمد على التخطيط المسبق عند كتابة رواياتك أو مقالاتك، أم تترك القلم يتدفق بحرية؟

عندما أنطلق في كتابة رواياتي أو مقالاتي، أجد نفسي أمام بحرٍ عميق، ترفرف على سطحه نسمات الأفكار، تتراقص بين يديَّ تلك اللحظات التي تجمع بين تخطيط العقل وإبداع الروح. إنَّ الكتابة بالنسبة لي هي سَفرٌ طويلٌ، لا يتحدد وجهته إلا بتضافر الجهد والعاطفة، بين العلم والشعور.

التخطيط المسبق هو البذرة التي تزرعها يد العقل في تربة الفكرة، فتُثمر نورًا واضحًا يعينني على اجتياز التحديات، ويضيء لي دروب المعنى الذي أريد الوصول إليه. إنها أشبه بمخطط معماري، حيث يضع العقل الأسس والقواعد التي تضمن للأبنية أن تكون قوية، وأنيقة، قادرة على الصمود أمام الرياح العاتية. في تلك اللحظات التي أُمسك فيها بالقلم، أجد أن كل حرف يجب أن يكون محكومًا بتدبير، كما أنَّ كل جملة لا بد أن تتناغم مع ما قبلها وما بعدها. فالتخطيط يُكسب العمل اتساقًا، ويُعطي للكلمات طعمًا أعمق، إذ أراها كما تراكم حبات اللؤلؤ في عقدٍ فنيٍ بديع، كل واحدة تضاف إلى الأخرى لتكمل الجمال وتنقله إلى مقامٍ أعلى.

لكن، لا ينبغي أن يطغى التخطيط على الحرية الإبداعية، فكما أن البحر لا يسكن إلا إذا هبت عليه الرياح، فإن الكتابة لا تستشعر روحها إلا عندما تتحرر من قيود الأطر المحددة. في تلك اللحظات التي أترك فيها القلم ينساب كما تشاء له رياح الأفكار، أتذوق لذة الإبداع، كما يتذوق الفنان لحظة تلاشي الحدود بين اللون والفرشاة. الكتابة تصبح في تلك اللحظة رحلة لا وجهة لها، سماء بلا حدود، حيث تتناثر الكلمات في فضاءٍ مفتوح، وكأنها نجوم تُنير السماء العميقة، لا تتبع إلا لحن الإلهام الذي لا يشبه شيئًا مما ألفه العقل.

وفي هذا التوازن بين الاثنين، بين العقل الذي يخطط والروح التي تحلق، أجد سر الكتابة الذي يميزها عن غيرها من الفنون. إنه الفن الذي يستمر في النبض، سواء كان تخطيطًا دقيقًا أو تدفقًا طليقًا، في كل لحظة أكتب فيها، يكون القلم بمثابة الزمان الذي يتنفس بين يدي، يعبر عن ماضيّ الحافل بالأفكار، وحاضري المتجدد بالآمال، وأحلامي التي لا تعرف المستحيل.

فالتخطيط هو الإطار الذي يمنحني الثبات، والحرية هي الرياح التي تدفعني إلى ما وراء الأفق. وفيما بينهما، ينبثق النص الذي يحمل بين طياته الحكمة، ويمنح القارئ نغمةً من الأمل، وتوقًا إلى المعرفة.

كيف تصف أسلوبك الكتابي؟ وهل تأثرت بأساليب كتابية معينة أو حاولت تطوير أسلوبك بشكل فريد؟

لقد تأثرت بأسلوب الرافعي ذلك الأديب المبدع الذي أضاءت كلماته دروب الأدب العربي وجعلت الحروف تتراقص في أبهى صورها. كان للرافعي في نفسي أثرٌ عميق، فقد كان في كتاباته موسيقيًّا يعزف على أوتار البلاغة والفصاحة، ويدخل بنا إلى عالمٍ مليءٍ بالمعاني الشائقة، حيث لا يقتصر الكلام على مجرد وسيلة للتواصل، بل يصبح شعرًا ينبض بالحياة، وفكرًا يتجدد كلما قرأه القارئ.

أسلوبه كان تناغمًا بين الجمال والعمق، بين الصدق والبلاغة، وكان يُحسن اختيار كلماته كما يحسن الشاعر اختيار أوزانه. في كل سطر كان ينثر من زهر القول ما يجعل القارئ يشعر وكأن الكلمات تُغني روحه وتثري عقله، وكانت أفكاره تنساب بسلاسة من الوجدان إلى العقل، فتتحقق في ذهن القارئ صورةً شاملةً تحمل كل معاني الحياة.

الرافعي علمني أن الكتابة ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي فن وإبداع، وأنه لا بد من العناية بكل كلمة، كما يُعنى الفنان بجميع تفاصيل لوحته. تأثرت بجمال تراكيبه البلاغية، وكيف كان ينسج بين الحكمة والجمال، وكيف كان يدمج بين الشاعرية والمنطق، فتصبح عباراته كأعمدةٍ راسخة في وجدان القارئ.

أسلوبه، بما فيه من سحر وبلاغة، كان له أثرٌ مباشر على كتاباتي، فحاولت أن أستمد من مداده تلك الروح الأدبية التي ترفع الكلمات إلى آفاقٍ أوسع، وتجعل كل فكرة تَحمل في طياتها نغمات من الحكمة والجمال.

ما هي أكبر تحدياتك ككاتب؟ وكيف تمكنت من تجاوزها؟

أكبر تحديات الكاتب ليست فقط تلك التي تقف في وجه قلمه، بل هي التحديات التي تنبع من أعماق ذاته، حيث تتداخل الشكوك مع الطموحات، وتتصارع الأفكار مع الهموم. كان التحدي الأول الذي واجهته هو تحدي الصدق مع الذات، ذلك التحدي الذي يتطلب أن يُحرر الكاتب نفسه من قيود التقليد والتقليدية، وأن ينطلق إلى فضاء أرحب من الإبداع والتفرد. فقد كنت أجد نفسي أحيانًا محاصرًا في بحرٍ من التوقعات، والأنماط المألوفة، حيث كان عليّ أن أوازن بين ما يريده القراء وما يدعوني إليه ضمير الأدب. لكنني سرعان ما أدركت أن الكاتب الذي يقتصر على ما يرضي الناس يفقد صوته الداخلي، فتجاوزت هذه العقبة بالتزام الصدق مع أفكاري، والتعبير عن إحساسي بكل شجاعة، مهما كان صدى هذه الكلمات في أعين الآخرين.

أما التحدي الثاني، فكان التحدي الزمني، إذ لا تكفي الساعات والأيام لتسعف الفكر بالكلمات التي تليق بعظمة الفكرة. في عالمٍ يعجُّ بالصخب والضغوط، كان الوقت يُمثل عنصرًا مُعاديًا للإبداع. ومع ذلك، فإنني لم أسمح له أن يكون قيدًا يعيق رحلتي الأدبية. فتعلمت أن الإلهام لا يأتي دائمًا في اللحظات التي ننتظرها، بل إن التدفق الحقيقي للأفكار يحتاج إلى لحظات من الهدوء الداخلي، وإلى قدرة على التركيز العميق. وفي مواجهة هذا التحدي، وجدت أن أفضل وسيلة هي أن أخصص لحظاتٍ مقدسة للكتابة، دون أن أُقيد نفسي بأطر الزمن أو الانشغال بالمشاغل اليومية.

ثم كان التحدي الأكبر تحدي المعنى والعمق، حيث كان عليَّ أن أقدم كل كلمة، وكل جملة، بما يستحقه المعنى، لأن الكلمة هي جسر الروح. كنت في صراع دائم مع ذاتي لأبحث عن الأبجدية التي تتجاوز حدود الكلام، وتلتقط الأنغام التي تهز الوجدان. وكلما شعرت بأنني قد اقتربت من بلوغ العمق المطلوب، جاء الشعور بالمسؤولية ليُحفزني أكثر، وأجد نفسي أبحث عن مزيدٍ من الحكمة، وأطوف في آفاقٍ أرحب لأتمكن من التعبير عن ما هو أبعد من اللسان.

وقد تمكنت من تجاوز هذه التحديات من خلال التركيز على الإلهام الداخلي، والاستمرار في الكتابة حتى وإن كانت الكلمات في بداياتها لا تفي بالغرض. أدركت أن الإبداع لا يأتي إلا بعد الصبر، وأن كل كلمة تكتب هي خطوة نحو بناء عالم أدبي جديد. كما أنني تعلمت أن الكتابة تحتاج إلى تجدد دائم، وأن التحديات ليست عقبات، بل هي محطات اختبار لمدى قوة العزيمة والإرادة.

وبذلك، لم تكن التحديات في النهاية سوى دروب تُؤدي إلى التحليق في سماء الإبداع، إذ أظهرت لي الكتابة أن الصراع الداخلي هو مصدر القوة، وأن القيود التي نراها أحيانًا هي ما يُمكننا من بناء عوالمنا الأدبية الخاصة. دم

حدثنا عن أعمالك المنشورة حتى الآن.. هل هناك عمل محدد تشعر أنه يعبر عنك أكثر من غيره؟ 

في مسيرتي الأدبية، كانت أعمالي المنشورة بمثابة مرآةٍ تعكس ما استكنَّ في أعماقي من أفكارٍ وتصورات، ورؤى عميقة تلبستها حروفٌ أنبثق منها نورٌ أدبي. كل مؤلف كنت أضعه بين يدي القارئ، كان بمثابة رحلةٍ عميقة، تأخذ القارئ في متاهات الفكر، حيث تلتقي الحكمة مع البلاغة، وتلتقي التربية مع الروحانية في بوتقةٍ واحدة. كل حرف أكتب كان ينبض بشغف، كل كلمة كانت تنطق بما لم أستطع التعبير عنه إلا بتلك الأسطر.

من بين مؤلفاتي، كان "إضاءات على الطريق" بمثابة مصباحٍ ينير دروب الباحثين عن معنى الحياة، إذ يجسد الفكر الراقي والتأمل العميق في آفاق الوجود. هذا الكتاب لا يقتصر على كونه مجرد مجموعة من الأفكار، بل هو دعوةٌ صادقة لاستكشاف ما وراء الظواهر، والتوغل في باطن المعاني. هو نافذة تفتح على الكون، تدعو القارئ للتوقف والتأمل، لا ليتسلى بحروفه، بل ليعيد صياغة أفكاره بأسلوبٍ جديد وأكثر عمقًا.

أما "خواطر عفيفية بين الرسائل والإشارات"، فهو كتاب آخر يعكس روح النقاء والتسامح الذي أؤمن به، فهو ليس مجرد خواطر أدبية، بل هو رسالة وجدانية تبث في النفوس إشراقاتٍ من الأمل. من بين صفحات الكتاب، تجد نفسك تغوص في بحرٍ من الأفكار التي تخاطب الروح وتدغدغ الوجدان، حيث تتناثر الكلمات كما يتناثر اللؤلؤ بين أحضان البحر.

أما فيما يخص رسالتي في الماجستير والدكتوراه، فقد كانت أبحاثًا تعبيرًا عن حبي للتعليم والإبداع التربوي، إذ تناولت في "مدى إتقان معلمي ومعلمات مادة التربية الإسلامية" أحكام الفقه، وفي "فاعلية استخدام استراتيجية الخرائط المفاهيمية" في تدريس أحكام التجويد، كنت أبحث عن طرق تجديد المنهج التربوي وإثرائه بما يلبي احتياجات العصر. كانت هذه الدراسات هي انعكاساً لأيماني العميق بأن التعليم هو البوصلة التي تضيء عتمة الجهل، وأن المنهج التربوي يجب أن يكون أداة لبناء جيلٍ متسلحٍ بالعلم والحكمة.

أما في ديواني الشعري "الحرف والروح"، فتجدني أسافر مع الكلمات بين الآفاق، أبحث عن معنىً يتساقط كما تتساقط الأمطار على الأرض العطشى. فكل قصيدة هي إكسيرٌ يروي الروح، وكل بيت شعر هو نبضة من قلبي، أضخها لتصل إلى عقول وقلوب من يقرأ، لينساب فيهم شعورٌ فريد من الأحاسيس المتجددة.

إذن، كل عمل من أعمالي هو قطرة من بحر أفكاري، وكل كتاب هو شعاعٌ من نور أبعثه إلى العالم، ليرتشف منه من يود أن يتذوق هذا الفن الأدبي الراقي. أما ما يعبر عني في هذه الأعمال، فهو تلك العناية الفائقة في اختيار الكلمات، ومزاوجة المعاني بين العقل والوجدان، حيث لا يُغني أحدهما عن الآخر، بل يتناغمان معًا ليصلا إلى القلوب. أعمالي هي مسعى دائم نحو تجديد الفكر، وحث الإنسان على التأمل في نفسه وفي محيطه، لتحفيزه على النهوض بالعلم والروح

ماهو اخر ديوان شعري لك؟ وممكن أن تسمعنا آخر الأبيات ليكون سبق صحفي بإمتياز؟

اسم الديوان الذي اكتبه الان "الحرف والروح، أما بالنسبة لآخر الأبيات هي قولي:

لملمْ غبارَ الأسىٰ وارحلْ بلا وجَلِ

فالنورُ يهمي على الآفاقِ كالحُلَلِ

يا وجْدَ يوسفَ صبرُ القلبِ ما وَهَنَ

وقد دنا الصبحُ من أضواءِ مُكتمِلِ

أيا رياحَ الرجاءِ هُبّي على أملٍ

فالحقُّ يسطعُ في الأرجاءِ كالشمَلِ

ما كنتُ أحمِلُ قلبي نحوَ معجزةٍ

لكنني بالذي يطوي المدى أمَلِي

كيف ترى دور الأدب في المجتمع اليوم؟ وهل تعتقد أن للأدب تأثيراً ملموساً في الواقع

إن الأدب في المجتمع اليوم، في ضوء ما يشهده من تحولات وتغيرات سريعة، هو بمثابة المرآة التي تعكس روح الأمة، وتكشف عن وجدانها، بل وتواكب حركتها الثقافية والاجتماعية. لكنه في الوقت ذاته، أداة تحفيز وإيقاظ، تلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الجمعي، إذ تتلاقى فيه أصوات الماضي مع آمال المستقبل، ويُنسج من خيوطه خيالٌ يمس الواقع بعمقٍ وحكمة.

لكن ما يزعجني، هو أن الأدب قد أصبح في بعض الأحيان تائهًا في متاهات السوق الاستهلاكي، الذي يفرض معايير ضبابية تجرده من نبل رسالته وسمو أهدافه. كثيرًا ما نجد الأدب اليوم يُكتب ليُرضي الذائقة التجارية أو السياسية، بعيدًا عن جوهره الحقيقي، الذي يجب أن يكون نورًا يهدي، وصوتًا يرفع، ورسالة تُعلي من شأن القيم الإنسانية، وتدعو للرفعة والإصلاح.

لكن رغم كل ذلك، يبقى للأدب قوةٌ خارقة على تغيير الواقع، فهو السلاح الأقوى في يد الأفراد والجماعات الذين يعون رسالته. فكل قصيدة، وكل رواية، وكل مقال هو بمثابة نقشٍ في الذاكرة الجمعية، وزرعٍ في أرض الفكر، يثمر في النهاية فكرًا نقديًا، ووعيًا متقدًّمًا. الأدب، في أسمى تجلياته، هو الوسيلة التي تهز العقول وتُنير القلوب، وتُلهم البشر في مواجهة التحديات، وتحثهم على التفكير في مصيرهم، وتصحيح مسارهم.

فيما يخص تأثيره في الواقع، فهو لا يتوقف عند مجرد اللمسات الفنية التي تمنح المتعة، بل يمتد إلى كونه دافعًا للتحرك الاجتماعي، وأداة لتحفيز الإصلاحات. من خلال الكتابة الأدبية، يُسَلط الضوء على قضايا العدالة، والحرية، والمساواة، فيؤثر في تشكيل السياسات الثقافية والفكرية، ويُحرك القلوب نحو التحرك من أجل المبادئ السامية.

الأدب اليوم يحتاج إلى نهضة حقيقية، وعليه أن يعود إلى أصالته، ويستعيد دوره كـ قاطرة للمجتمع نحو الارتقاء الأخلاقي والفكري. يجب أن نعيد للأدب جاذبيته القديمة، بحيث يكون مصدرًا للإلهام، وأداة للتغيير، يعالج مشاكل العصر بقدرٍ من الفهم العميق والتحليل الواعي.

ففي النهاية، الأدب ليس مجرد فنٍّ للترفيه، بل هو نبض المجتمع، وصوت من لا صوت لهم. هو الذي يغير النفوس  

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

اذا اعجبتك جريدتنا الرجاء وضع تعليق يسعدنا على تقديم المزيد

الاسمبريد إلكترونيرسالة