U3F1ZWV6ZTU0ODUyMjA4Nzk5Nzc2X0ZyZWUzNDYwNTUxNjQyODc1OA==

مقال بعنوان أنسة شين جريدة حبر الحياة بقلم محمد سعد

 











"آنسة شين"

كثيرًا ما نحاول أن نتقبل فكرة الوحدة، ونسعى لتدريب أنفسنا على التعايش معها.. أيا كانت الوسائل لذلك، فهي تختلف حسب الثقافات والأعمار والتفكير، حتى وإن استدعى الأمر دورات مكثفة لبائعي الأمل من أصحاب التنمية البشرية وخطوات التأقلم، لكن هذه الجهود كلها بدت لي وهي تتلاشى أمام صوت سائق الميكروباص وهو ينادي في إحدى المواقف الشعبية وهو يحدق بي قادمًا من بعيد " مساكن يا أوستاز، العربية ناقصة واحد، عايزين واحد لوحده واحد لوحده" ولم ينقطع صوته أو يكُف وهو لا يزال يقول " أنت لوحدك؟"

ولولا علمي الكامل بإن السائق لا يقصد في تلك اللحظة أن يصف شعوري أو وحدتي لقلت أنه يعايرني، وتلك اللحظة التي تنخر فيها الوحدة قلوبنا من جديد.

ومن بعدها العودة للمنزل في زحام العائلة منفردً بنفسي. 

كانت أمي البسيطة دائمًا تحاول إقناعي بأنني أضع شروطًا صعبة وغير واقعية لشريكة حياتي. تلك الشروط التي جعلتني في نظرها "معقد الأمور"

 هذه المرة، رأيتها فرِحة تضمني بشدة غير معهودة وهي تقول "وجدتها يا حبيب أمك".

لم أكن أفهم ما تقصده، ولم أشأ التعمق في الحديث معها حينها، لكنني سألتها باستغراب عن الأمر فأجابت: "فرحانين بيك".

صوت الزعاريط ونظرات أختي الصغيرة وصوت أمي تقول

 ابنة عم كارم، التي وصفتها بأنها "متفصلة من نفس توبك ".

 تم تحديد موعد الرؤية الشرعية، ووجدت نفسي أستعد للقاء فتاة لم أعرف عنها سوى كلمات الإشادة.

عندما رأيتها، كانت بالفعل جميلة كما وصفوها. كان الخجل يكسو ملامحها، وأنا أيضًا شعرت بخجل غير مألوف. طلبوا منا أن نقترب ونتحدث دون تجاوزات، لكي يتسنى لكل منا معرفة الآخر. بدأت الحديث بصوت منخفض، فأجابتني بجملة لم أتوقعها: "أنا درستك جيدًا".

كانت كلماتها مفاجئة، فسألتها عن قصدها. أخبرتني أنها تعرفت على شخصيتي وشروطي. فهمت أنني أبحث في شريكة حياتي عن الأمان والحب والمودة، وأنني أرفض المكياج المبالغ فيه والأفراح الصاخبة. علمت أنني أحتاج إلى من تكون ابنتي وأختي وحبيبتي وزوجتي وأم أطفالي. تعرفت على تفاصيل شخصيتي وذكرياتي، حتى الصغيرة منها.

قالت لي بصوت هادئ: "الحياة مشاركة وأمان. البيت سفينة تحتاج إلى ربان واحد. كنت تبحث عن من تقاسمك اللقمة وتشكر، من تسندك إذا ضعفت، ومن تكون عكازك إذا وقعت. أنا أبحث عن ذات الأشياء. أريد شخصًا مأمونًا في خصومته قبل محبته. شخصًا يجعل للحياة طعمًا ولليوم معنًى، ولا يخاف من مواجهة التحديات معي، بل يعتبرها جزءًا من رحلتنا المشتركة".

في تلك اللحظة، شعرت وكأنها قرأت أعماقي، فهمت كل ما لم أتمكن من التعبير عنه بالكلمات. لم أجد ما أقوله سوى: "إذن أنتِ شين؟".

نظرت إلي باستغراب وسألت: "ماذا تعني بشين؟". أجبتها مبتسمًا: "ليس مهمًا الآن، ستفهمين لاحقًا يا دعوة السجود في الليالي الحالكة".

في طريق العودة إلى المنزل، تلقيت رسالة على "فيسبوك" من حساب بدون صورة. كانت تقول: "السلام عليكم، بحثت كثيرًا عن معنى شين ولم أجد سوى أنها تعني في اللغة العربية الاستمرارية والانتشار لكل شيء جميل، مثل شمس تشرق كل يوم لتنير العالم".

رددت عليها: "وعليكم السلام، وهذا بالضبط ما أنتِ عليه".

كان هذا اللقاء نقطة تحول. شعرت أن حياتي التي كانت تبدو وكأنها مزيج من محطات عابرة قد بدأت تأخذ اتجاهًا واضحًا. لأول مرة، أدركت أن الحب ليس مجرد شعور، بل هو قرار ووعي واختيار. أن تجد شريكًا يشبهك في العمق، ويختلف عنك في التفاصيل الصغيرة التي تضيف للحياة نكهة.

الحب رحلة تجمع اثنين في عالم صغير يصبح كونًا داخل كون. هو اختيار يبدأ من التشابه وينمو بالاستمرارية. إذا كنت مقبلًا على الحب، اختر من يشبهك، من يملك نفس درجة حبك، من يستطيع أن يستمر في رحلتك وينشر قلبك بمحبة. الحب ليس مجرد كلمة، بل هو التزام وإرادة.

اختاروا "شين".. اختاروا من يجعل حياتكم رحلة تستحق أن تُعاش.

وقد أنشدت لها في الختام شِعرًا تمامًا مثلها

أَتَتِ الْمَسَرَّةُ ذَاتَ يَوْمٍ طَارِقَةً

قَلْبًا تَعِيسًا لَا يُدَاعِبُهُ الْهَوَى

قَالَتْ لِتُبْشِرَ قَدْ وَجَدْتُ مَلِيحَةَ

خُلَقْتَ لِنِصْفَكَ قُلْتُ أَيْنَ قَالَتْ هُنَا

محمد سعد

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

اذا اعجبتك جريدتنا الرجاء وضع تعليق يسعدنا على تقديم المزيد

الاسمبريد إلكترونيرسالة