كوكب السوحلف اللطيف
تخيل أنك في مقهى كبير يجتمع فيه كل العرب، كل واحد منهم يحمل لابتوب أو موبايل، وكلهم يفتحون أفواههم بنفس الوقت للنقاش، الجدال، والنقد البناء.. طبعًا البناء هنا مجازي، لأن اللي حاصل أقرب للهدم الشامل.
أول ما تدخل عالم السوشيال ميديا، تستقبلك جملة مألوفة: "اترك كل أمل خلفك، أيها الداخل هنا". الجروبات مليانة بمناقشات جدلية عن الدين، السياسة، الرياضة، وحتى وصفات الكنافة! ودايمًا الموضوع يبدأ برأي عابر وينتهي بمشاجرة لفظية، يشارك فيها ناس عمرهم ما طبخوا كنافة ولا تابعوا مباراة من قبل.
تتصفح الفيسبوك وتلاقي واحد كاتب: "أنا شايف إن التعليم في الوطن العربي مظلوم"، فتبدأ معركة فكرية. واحد يرد عليه: "ده بسبب المناهج القديمة"، والتاني يدخل يقول: "لأ، المشكلة في المدرسين"، والثالث يكتب تعليق بطول المقالة يقول فيه: "أنا شايف إنكوا كلكوا غلطانين". وهنا، يدخل المحترف، اللي اسمه بيبدأ غالبًا بـ"دكتور"، ويكتب جملة مقطوعة من كتاب فلسفي محدش هيقراها غيره.
أما تويتر، فهو الملعب المثالي لعشاق الجدل السريع. الفكرة إنك لو كتبت أي حاجة عادية زي: "الشمس طالعة النهارده"، هتلاقي ناس بترد: "إيه الجديد؟"، وناس تانية بتقول: "ده عادي في الصيف"، وتلاقي حد تالت بيقول: "الشمس دي سبب الاحتباس الحراري". ويمر ساعتين، تلاقي الموضوع اتقلب لمناقشة عن حقوق الإنسان والاحتباس الحراري ومين كان السبب في غلاء الطماطم!
مشكلتنا مع السوشيال ميديا إننا كلنا بقينا علماء. البوستات مليانة آيات قرآنية بتفسير غلط، معلومات تاريخية مضروبة، ونصائح طبية تخليك تشك إن اللي كتبها بيشتغل دكتور في وقته الفاضي. ناس تقولك "شرب المياه الباردة بيوقف القلب"، وناس تانية تقولك "شرب المياه الساخنة بيعملك ضغط". يعني تشرب إيه؟
اشرب حشيش يا مولانا وده لأن أهل الفتوى الفيسبوكية بعضهم يعني وليس جميعهم قالوا بإنها لم تذكر في القرءان صراحة.. ويا للعجب والفزلكة
من جهة أخرى، السوشيال ميديا بقت مسرح كبير للترندات. واحد يعمل فيديو وهو بياكل بطيخ بالشوكة والسكينة، فجأة كل الناس تقلده، مع تعليقات من نوعية: "برافو عليك، علمتنا الأدب"، أو "الناس وصلت المريخ وإحنا هنا بنأكل بطيخ!". وفي وسط ده كله، يجي حد فاكر نفسه حكيم ويقول: "السوشيال ميديا السبب في تخلف الشعوب العربية"، وتبدأ مناقشة جديدة تشبه الحلقة المفرغة.
باختصار، السوشيال ميديا بقت بوابة للنقاشات اللي مش بتنتهي، ووسيلة إلهاء تخليك تنسى اسمك. هي كمان مكان مثالي للناس اللي بيحبوا يبينوا إنهم مثقفين وحكماء، حتى لو آخر كتاب قرأوه كان كتاب العلوم للصف السادس الابتدائي.
بقلم م. محمد سعد أحمد


إرسال تعليق
اذا اعجبتك جريدتنا الرجاء وضع تعليق يسعدنا على تقديم المزيد